السبت، 29 مارس 2014

سياسات دول رأسمالية وتراجع النمو الاقتصادي في بلدان الجنوب




سياسات دول رأسمالية وتراجع النمو الاقتصادي في



بلدان الجنوب









د. تيسير الناشف





لاتزال الدول الرأسمالية الاحتكارية تقوم بنشر قوتها في العالم أجمع. وهي تقوم بذلكعن طريق آليات سياسية واقتصادية وآليات تستند إلى توجيه وتكييف سلوك شطر أكبر منالشعوب النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكااللاتينية وبلدان واقعة في المحيطات. ومن هذه الآليات الآلية البالغة التأثيرالمتمثلة في زيادة امتلاك رأس المال المستثمَر في كل بقاع العالم تقريبا. لقد ولّدالاستثمار لرؤوس الأموال المشغلة تشغيلا نشيطا ثروة كبيرة كانت ولا تزال محل التفاتقطاعات من الواعين في العالم. ونتيجة عن عوامل منها القوة والتأثير اللذانتمتلكهما البلدان الرأسمالية الاحتكارية نجحت في إشاعة طراز من طرز التنمية القائمة على نشاط رؤوس الأموال والسيطرة علىآليات السوق العالمية والإفراط في الاستهلاك وزيادة دور قطاع الخدمات في الحالةالمالية الداخلية والخارجية.



وإحدىنتائج هذا النجاح لرؤوس الأموال هي أن الإشراف والسيطرة على الشؤون الاقتصاديةوالمالية لعدد متزايد من بلدان الجنوب أصبحا في يدي المؤسسات المالية التي تنتج الثروة وتسيّر عملية زيادتها. وبهذاالإشراف تسيطر الدول الرأسمالية الاحتكارية على الدول الأخرى وتتحكم بشؤونها.



والحقيقةأن العالم النامي أظهر قدرا كبيرا من المرونة والواقعية في مواقفه السياسيةوالاقتصادية والمالية، وقدرا كبيرا من التكيف مع الظروف الإقليمية أو الدولية التينشأت عن نشاطات آليات التحكم والسيطرة المالية للبلدان الرأسمالية الاحتكارية.وتجلت هذه المرونة والواقعية والتكيف في المواقف الإيجابية التي اتخذها العالمالنامي حيال مسائل من قبيل التكيف البنيوي والاقتصادي وتحويل قسم كبير من القطاعالعام إلى قطاع خاص وتنظيم الأسرة وحقوق الملكية العلمية وقبول شروط الحصول علىقروض وإلغاء نظام الإعانة الحكومية المتمثل في تخفيض أسعار السلع.











ولم تظهر الدول الرأسمالية الاحتكارية ذلكالقدر من المرونة والواقعية والتكيف. ويبدو أن الدول الرأسمالية الاحتكارية ليستعلى استعداد لتغيير السمات الرئيسية لسياساتها الاقتصادية وليست لديها القدرة علىتجاوز تلك السياسات بسبب سياسات الشركات العملاقة التي لديها رؤوس أموال طائلة.



ويبدو أن تلك الدول لديها شعور بأن لديهاالحرية في إشاعة معتقدات وأفكار غير دقيقة في العالم وأيضا في محاولاتها الناجحة في حالات كثيرةلفرض طرز اقتصادية معينة على البلدان النامية دون مراعاة للظروف المحلية السائدةفي كل بلد من تلك البلدان، وهي الظروف التي تستلزم إطلاق طرز للتنمية تختلف عن طرزالدول الرأسمالية الاحتكارية.



وطوال قرون قامت دول غربية، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، بجمع ثروةكبيرة. وحققت تلك الدول ذلك باحتلال أراضي الشعوب النامية، وبتكييف وتسخيراقتصادات البلدان النامية لمقتضيات نمو وتنمية اقتصادات تلك الدول. والثروةالطائلة التي تمتلكها تلك الدول هي إحدى وسائل تحقيق السيطرة الاقتصاديةوالاستراتيجية لتلك الدول.



ومنذسنوات كثيرة ما انفك تدفق الثروة من بلدان الجنوب الفقيرة إلى بلدان الشمال الثريةأو الميسورة الحال يسهم في التقدم والرفاهة في بلدان الشمال. ويتحقق هذا التدفق عنطريق تصدير البلدان النامية للمواد الخام إلى بلدان الشمال بأسعار زهيدة أو متدنيةموضوعيا أو حتى حسب المعايير التي تقول بلدان غربية إنها تتبناها وترسيها على صعيدالسوق العالمية.



يشير بياننا هذا إلى أن بلدانا غربية تعتمدنظاما تجاريا دوليا ليس مؤاتيا لتحقيق العالم الثالث للتنمية الاقتصادية المرجوةوللتصدي للفقر ولرفع مستوى المعيشة في البلدان النامية. هذا النظام الاقتصاديالدولي أسهم – إلى جانب عوامل أخرى داخلية – في مفاقمة حدة الفقر وزيادة نسبةالبطالة مما يؤدي إلى تقاضي العمال في العالم النامي للأجور الزهيدة وإلى تدفقالعمال من البلدان النامية إلى العالم الغربي، وإلى قبولهم بأجور زهيدة.



إنالمديونية الثقيلة الواقعة على كاهل البلدان النامية تشكل وسيلة أو آلية أخرى منآليات نقل الثروة من تلك البلدان إلى بلدان الشمال. ويتجاوز تدفق الثروة الصافيإلى تلك البلدان ، وهو التدفق الذي يشمل تكلفة خدمة الديون ونزوح الأدمغة ونقلالموارد، مئات المليارات من الدولارات سنويا.



ويقتضيالنظام المالي الدولي الذي توجهه – كما أسلفنا – البلدان الرأسمالية الاحتكاريةالرئيسية أن تتخذ البلدان النامية سياسات اقتصادية من سماتها الرئيسية إعادةالهيكلة الاقتصادية التي ترمي إلى تعزيز القطاع الخاص وإيلاء اهنمام أقل لدعمالحكومات في البلدان النامية لأسعار السلع الرئيسية. وما فتئت إعادة الهيكلة هذهتؤدي إلى زيادة البطالة وارتفاع أسعار السلع وغير ذلك من النتائج غير الملبيةلرغبات كثير من الناس.



ومنالخطأ الظن أن بلدان الشمال غير واعية بما يحدثه النظام الاقتصادي الدولي وبماتحدثه سياساتها من آثر سلبي في اقتصادات البلدان النامية. تفيد التقارير والدراساتالرسمية الصادرة في البلدان الغربية بأن مشكلة التضخم النقدي أشد حدة في البلدانالنامية منها في بلدان العالم المتقدم النمو. وإلى بذل محاولات تنفيذ سياسات إعادةالهيكلة الاقتصادية في العالم الثالث يعزى كثير من الاستياء الذي ما يزال قائما فيالبلدان النامية.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق