أصالة العقلوظروف الحياة السائدة
د. تيسيرالناشف
مشاهد إنسانية واجتماعية كثيرة تؤثروتتأثر بعوامل داخلية وخارجية. ويتوقف مدى تأثر وتأثير مجموعة واحدة في الأخرى علىقوة تلك المجموعة أو ضعفها. ويتغير تفكير المرء نتيجة عن الأحداث الصغيرة أوالكبيرة المؤثرة. ويمكن أن تكون هذه الأحداث في شتى مجالات الحياة، ويمكن أن تكونعلى شكل من الأشكال الكثيرة: الأوبئة والهزات الأرضية والاجتماعية والاقتصادية،والحروب والنزاعات والهزائم والانتصارات والتيارات التغييرية وانعدام الحسالديمقراطي.
وتوجبهذه الأحداث على المرء أن يستجيب لها. ويمكن أن تكون هذه الاستجابة ضعيفة أو قوية.ومدى قوة الاستجابة يتوقف على عوامل كثيرة، منها مدى شمول الحدث ومدى تهيؤ المرءالفكري والنفسي والعاطفي للتأثر بالحدث وللسلوك المتأثر بالحدث.
ومن الخطأ الجسيم التعميم بالقول إنه لا يوجد فكر أصيل لدى أيشعب من الشعوب. عيش أي شعب في ظل ظروفخاصة يتطلب أن ينتج ذلك الشعب فكرا أصيلا يمكنه من العيش في تلك الظروف المختلفةعن ظروف أخرى ومن الإفصاح عن ظروف العيش الخاصة التي يعيشها ذلك الشعب.
وفضلاعن البنيات الفكرية المكتوبة أو المقروءة، توجد بنيات فكرية شفوية. ويحدث تأثيروتأثر بين البنيات الفكرية المكتوبة والبنيات الفكرية الشفوية.
وعدم وجود أو ضعف بنية فكرية خاصة واحدة لدى شعب من الشعوب لا يعنيعدم أصالة الفكر لديه. خلال التاريخ البشري الطويل نشأت عوامل كثيرة في طمس البنىالفكرية أو إقصائها أو إزالتها أو قمعها أو إهمالها وعدم المبالاة بها. هذه العوامل لعلها أثرت في طمس البنىالفكرية. والقمع السياسي والاستبداد السلطوي والإرهاب الفكري والتركيبةالنفسية وغيرها من العوامل كانت ولا تزالسببا، في جملة أسباب أخرى، في الطمس والإقصاء والإزالة والقمع والإهمال واللامبالاة والتهميش.
ولو لم تكن تلك العوامل قائمة لما كان ذلك الطمس أوالتأثير حصل للفكر، ولكانت بنيات فكرية غير البنية التي نعرفها قد نشأت، ولعل تلكالبنيات كانت قد حلت محل هذه البنية أو غيرتها. وبالتالي من الخطأ الجسيم القولإنه لا توجد سوى بنية فكرية عربية واحدة أو إنه لا يوجد سوى عقل عربي واحد مهماكانت سماته وخصائصه. ويبين ذلك أيضا خطأ الكلام عن وجود نمط عقل عربي واحد.
ولمعرفة نوع عقل شعب من الشعوب تنبغي معرفة التأثير القائم بينالعقل، من ناحية، والعلاقة بين الماضي والحاضر، من ناحية أخرى. ثمة علاقة جدليةبين الماضي والحاضر عموما. ثمة تأثير وتأثر بين الماضي والحاضر.
وللظروفالتي يعيشها الإنسان، بمن في ذلك المفكر، تأثير أقل أو أكبر في تقرير موقفه منالماضي والحاضر بما لهما من المعاني والمضامين، وتلك الظروف تقرر موقفه من الماضيوالحاضر. ولا بد من أن تكون قراءة الماضي متأثرة بظروف الحاضر ومن أن تكون قراءةالحاضر متأثرة بظروف الماضي. ونظرا إلى تغير التأثير والتأثر بين الماضي والحاضرمن الخطأ القول إن الماضي يحكم الحاضر. وحتى دعاة العودة إلى الماضي في السياقالعربي يقومون بهذه الدعوة متأثرين بعوامل منها ظروف الحاضر التي تسهم في تحديدالموقف المتخذ من الماضي. وبما أن القراءة تسهم في تحديدِها ظروفُ واقعِ القراءةفإن الظروف الحاضرة المختلفة تُسهم في نشوء قراءات مختلفة للماضي وظروف الماضيتُسهم في نشوء قراءات مختلفة للحاضروللمستقبل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق