عزيزتي تحيا المدرسة ,
أنا تحيا أكتب لك رسالة خاصة أيتها الفاضلة , بعدما فكرت طويلا , وحارت بي الدروب , فكرت أن أكتب
لفلان لأنه عضو صادق , أو فلان لأنه لا يرتجي الا خيرا للجميع , أو فلان لأنه رجل شهم , أو فلان لأنه صديقي
أو فلانة صديقتي الصغرى , أو فلانة ملكتي الكبرى , أو فلان هذا أخي , لم يخذلني يوما , أو فلان ذاك زارني
في احدى الأمسيات ليواسيني , أو فلان قال كلمة حق ناصحا بالعودة الى الصواب , أو فلان ابن المدينة ,
أو فلان الذي يظهر في الوقت المناسب ويختفي , أو فلانة تلك التي تخيط بخيط أبيض , أو فلانة تلك التي
حيرها لغز الموت . . .
كاد رأسي ينفجر بعد أن انفجر , وأخيرا توصلت الى قرار , أنا تحيا قررت أن أكتب لك أنت عزيزتي تحيا
المدرسة , فأنت نفسي , ستكتمين سري , وتصغين لفضفضتي الفارغة الجوفاء المهجورة .
أنا بتّ أكره الورود , بجميع الألوان , فكرت أن أكتب باللون الأحمر , فهو لا يعني لي شيئا الا الدم
والقتل والنار الملتهبة المسعورة , فأنكروه علي أيضا وأفتوا , فقررت أن أكتب بالأسود , لكنني وجدته هو
أيضا لون , ويقبل تأويلات , لذلك قررت أخيرا أن أكتب بالأبيض على الصفحات المسطرة البيضاء في
دفتري الأحمر , الذي كنت قد عنونته دون وعي ب : المدرسة الفاضلة , ماذا قلت ؟ لن يظهر شيء
بالابيض على الأبيض , هل جننت ؟ هكذا ممتنة , تواصلي معي أختي تحيا , وماذا يهم ان لم يظهر ؟
وهل ضروري أن يظهر ؟ هي أشياء ليست مهمة , هي فقط أسئلة ؟
مسكت وردة سوداء كنت قد قطفتها من خلاء , وظللت عاكفة عليها أئن أنينا فات أوانه , أملا أن
تجيبني : أستحق , لا أستحق , أستحق , لاأستحق , أستحق , لاأستحق . . . . . .
لكنني تفاجأت بتويجاتها لا تنتهي , بل تزداد , ولم تجبني , هلاّ اجبتني أنت ؟ فأنت لا تسقطي
الا واقفة , أما أنا فقد سقطت شر سقطة , وأمام الملأ , وتدشدشت مئة قطعة , بل ألف أو
يزيدون .
للحظة من السنين , رأيت الدنيا مبهجة , العالم فرح بي وأنا أسترجع روحي , وأعانق البسمة ,
وألقي السلام كاملا وليس حرف السين فقط , أدق على الجيران , وأصل رحم أخوالي , بعدما طار
منهم اثنان في عام واحد على حين غفلة من أنانيتي , وذلك في السنة الماضية , سنة اختناق
الروح , ماذا تقولين أنت ؟ هذه السنة هي سنة موت الروح , موتا سريريا برزخيا , الله اعلم
بأهواله .
المهم عزيزتي , استغرق تفكيري مدة طويلة , وانا أفكر كيف سأعبر عن عودة روحي , ليشاركني
فيها العالم , ففكرت في أول الأمر أن أكتب في هسبرس , على الجناح الايمن , هناك مواضيع
مهمة أستطيع الخوض فيها , أنا أريد فقط الكلام , لأن الصمت بات يقتلني , بعد أن أمضيت سنين
من الصمت , لم أتكلم فيها الا في القسم ومع المذياع والكتاب , بجانب الغابة والساقية ,
لكنني خفت أن يشرملني المخزن عن أولادي , ويرمي بي في تزمامّارت , لأنني لا أملك
لجاما لثرثرتي , فلجأت الى دفاتر , وتعرفين البقية , وأخيرا جاء القرار الصعب , كنت أؤجله واؤجله
حتى أجيب عن جميع الأسئلة , وكنت أظن بل أجزم أنني سأغادر في رمضان , لان رمضان
أصلا ينعش روحي ويغذيها ويدفأها , لكنني لحد الساعة لم اجب عن أي سؤال , هي ليست
اسئلة , هو مجرد سؤال واحد : أستحق , لا أستحق , أستحق , لا أستحق . . . . . .
أود الفرار بذاتي في أكبر نوبة حادة للاكتئاب , لطالما مارستها وانتشيت بها ونجحت , لكنني لا
أشعر بحالة الاكتئاب , انه شعور خاص , يذكرني بالصراط وأهوال القبور والدرك الاسفل من النار .
قررت ألا أبتسم , دا كان زمان , أما الآن , من أعطاني الحق ؟ هذا ليس لمثلي , سأبتسم
ورجلي فوق رأسي , قررت أن أعتذر للمنار , فأنا أقوى منه , لكني ان ذهبت اليه لاعتذر , سأمسك
في زمارة رقبته , وأخنقه قبل أن يسامحني .
ما الحل اذن عزيزتي تحيا المدرسة ؟ هؤلاء ليسو في وعيهم , جرحهم غائر , ولن يستفيقوا حتى
يفوت الأوان , بل قد فات , لن يعوا حتى ينهار كل شيء , حتى يدمروا كل حياتي , ماضي
وحاضري ومستقبلي .
فكرت في موت مشروع أقول لربي : وعجلت اليك ربي لترضى . لكنني متعجرفة وأتشرط ,
أنا لااريد الا ميتة شامخة مثل ميتة صدام حسين , لا اريد ميتة بشعة مزورة كميتة أسامة بن لادن ,
هذا الىخر مثلي , بحث عن حتفه فلقاه , ومن رمى به الى اللعب مع الكبار كما لعبت , من أشار عليه
بقتل الناس بريئهم ومذنبهم , انها علامات الساعة وأحداث النهاية , لا يدري القاتل فيم قتل , ولا
المقتول لم قتل , لماذا تكون نهاية هذا الرجل هكذا , وقد امضى حياته زاهدا صامتا , لا يدعم الا
الحق بنفسه وبثروته .
في الحقيقة أردت أن يحكم علي بالاعدام , أو على الاقل السجن المؤبد , وأبقى صالبة طولي
كمحمد مرسي , أزعزع وأربك من يقاضيني , فأصير جلادا لجلادي , وأنا أضحك وأقول له : ابقى
سام لي على دفاتر .
لكني لم أجدني الا واقفة على باب المشنقة ليس كأنطوني كوين في عمر المختار , بل منحنية
مجردة من خماري , وقد نزعت نظاراتي , ليس استعدادا للشنق , بل للرجم حتى الموت ,
هؤلاء عزيزتي تحيا عمي , أيرجمون شخصا ميتا ؟
الدموع لا تكف , تنزل بغزارة مطر غاضب وليل حالك وفجر لن يأتي حتى تصبح الديار خاوية على
عروشها لا ترى الا مساكنها , وبالتالي من الغباء محاولة اخفاء دموعي , رغم انها لي وحدي انا
ولا يصح لاحد أن يراها , حتى أحضى على الاقل بدموع مدثرة , لا أعلم ان كنت سأستطيع
تحويل دموعي الى حمرة وغصة كغصة فلسطين ومحمود درويش , لكن غصته شريفة شامخة ,
ولا تنحني , ولم تتعلم الركوع , أما غصتي فيندى لها الجبين وينظم فيها المعريون الاشعار
على نهج ابي علاء . دون ان يحفظها احد , أو يرددها أو يفتخر بها .
أقول لك صديقتي تحيا المدرسة , لقد تعبت , وداعا ولا داعي للرد , لأنني أرفض كل الردود .
فالموضوع مغلق .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق