الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

"الأصالة والمعاصرة"

ما الذي يجعل خديجة الرويسي تطالب في برنامج تلفزيوني باحترام الأقليات، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي تنتمي له حاز المرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية بعد أن غطى كل الدوائر؟

لا يستقيم أن نحكم سياسيا ـ كميا طبعا ـ على هذا الحزب بأنه أقلية. فكيف تراه القيادية الرويسي أقلية؟

قد يكون البحث في ما وراء السياسة أكثر جدوى لفهم سياق كلام خديجة الرويسي وخطاب المظلومية الذي اعتمدته في حديثها. والبحث لا يكتمل سوى بالنظر إلى مجالات اهتمام المرأة.

لا تعدو مجالات نضال الرويسي وباقي مكونات الفريق الإيديولوجي الذي تنتمي له قضايا الحق في الإجهاض وحقوق الشواذ الجنسيين، في حين تغيب عن مجال النضال قضية التعليم وإصلاح الإعلام ومشكل البيئة وغير ذلك. وإذا كانت هذه القضايا تقريبا محل إجماع بين المغاربة، فمن السهل أن نفهم أن الالتزام بالحق في الإجهاض والحق في الحرية الجنسية هما ما جعلا من الرويسي ومن معها أقلية تشعر بالخطر.

وفي الحقيقة، الإجهاض والشذوذ هما واجهتان لنسق قيمي يشعر بنفسه هو الأخر أقلية، وهما عنوانان لنموذج مجتمعي لأقلية ترى وتفهم أن ما جعلها أقلية هو شذوذها الفكري والقيمي في مواجهة ثقافة ونسق قيمي يؤمن به أو يحترمه جزء كبير من المجتمع المغربي.

الشعور بكون هذا الفريق أقلية يجيب عن التساؤل الذي طرح دوما حول الهدف من زرع حزب الأصالة والمعاصرة في الخريطة السياسية؟

إن القول أن الحزب ضرورة سياسية أفرزتها متغيرات الحقل السياسي قول غير صحيح. فكل أحزاب اليسار تقول أنها تريد تأسيس المجتمع الديمقراطي الحداثي التقدمي، فضلا عن أن الحزب يضم عناصر من اليمين الإداري البيروقراطي تفتقر إلى أي تجربة نضالية، ويضم عناصر من اليسار الجذري المتطرف الذي كان يؤمن بالعنف الثوري ولا يؤمن بالديمقراطية لأنها قيمة بورجوازية.

فما الذي يجمع بين هؤلاء سوى أشياء خارج نطاق السياسة؟

من الظاهر أن ما قيل من كون حزب الأصالة والمعاصرة جاء لتصفية العدالة والتنمية هو كلام صحيح، لكنه ليس هو الحقيقة كلها. فالجزء الآخر هو أن الحزب جاء من أجل إحداث تغيير على مستوى القيم، ومن أجل تغيير المجتمع وأسسه التي ينبني عليها، في الوقت الذي يبرر ما يقوم به بكون المجتمع المغربي آخذ في التغير وفي فقدان هويته المتسامحة والمنفتحة.

هذا هو حزب الأصالة والمعاصرة، حزب أغلبية انتخابية وأقلية قيمية وأخلاقية تجعل من عبارة "الأصالة والمعاصرة" اسما على غير مسمى في غياب المعاصرة التي تقتضي الإيمان بالديمقراطية وعدم السعي إلى اجتثات الآخر بوحي من جهات مجهولة، وفي غياب الأصالة التي لم أجد لها أثرا في صفوف الحزب لحد الساعة.


"الأصالة والمعاصرة"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق