الاثنين، 14 سبتمبر 2015

"التعليم سر تقدم المجتمع" مغالطة خطيرة

أنا واع بأن هذا العنوان مستفز. لكي لتفهم ما يريد هذا المقال تبيينه، لا ينبغي الوقوف عند العنوان.. ينبغي قراءته بشكل كامل والتأمل في المعطيات التي يعرضها بتأنٍّ ... الانطباع الذي أتمنى أن أخلقه عند القارئ هو أن هناك أوهاما أصبحت تلبس لباس الحقيقة علينا تعريتها. فالنخبة المثقفة في بلدنا صنعت أوهاما متعددة حول مجالات في منتهى الحساسية كمجال اللغات والسياسة والتعليم ــــ أوهاما آن الأوان لتشريحها وفضحها.
د.عبد الله الحلوي*
سأبين تحديداً أن الفكرة السائدة التي تقول بأن التعليم هو سر تقدم المجتمعات تنطوي على مغالطات خطيرة ينبغي فضحها ومعالجتها بشكل ذكي، إذا أردنا أن نصلح منظومتنا التربوية بدون أن نخسر عقودا إضافية في إصلاحات لا جدوى منها.

حجج سائدة

اختصر رئيس الوزراء البريطاني أولويات سياسته الثلاثة في الإنتخابات التشريعية لسنة 1997 في شعار "التعليم، التعليم، التعليم"، قاصدا بتكرار لفظة التعليم أن جوهر كل إصلاح وأساسه هو التعليم وأن حزبه وحكومته ستركز على هذا القطاع أكثر من تركيزها على أي قطاع آخر

...

الكل في مغرب اليوم أصبح اليوم واعيا بأهمية التعليم في تكوين الأطر الجيدة التكوين التي تخلق فرص الشغل الجديدة ولا تكون عبئا إضافيا على المجتمع والدولة. لكن ... مهلاً! هل التعليم هو مفتاح الازدهار الاجتماعي والاقتصادي؟ .. الرأي السائد في هذه الأيام هو: "نعم، بالتأكيد!" .. سأحاول أن أبين في هذا المقال أن في هذا الاعتقاد السائد مغالطة كبيرة ينبغي تصحيحها.

ينطلق أصحاب نظرية "أهمية التعليم" من حجج تبدو بسيطة ومقنعة. أولها أن معظم المواطنين الذين يحصلون على أجور عالية في الدول الغربية المتقدمة هم أصحاب أعلى الشهادات الجامعية. وثانيها أن الدول الأكثر تقدما هي الدول التي توفر فرصا للتعليم جيدة. معدل الحياة الدراسية في الإتحاد الأوروبي هي تسع سنوات بينما لا تتجاوز ثلاث سنوات في دول جنوب الصحراء الإفريقية.

وثالثها أن الدول التي حققت معجزات اقتصادية في العقود الأخيرة كاليابان وكوريا الجنوبية وهون***1709; كون***1709; والتايوان وسنغافورة هي بالضبط الدول التي تبدي تطورا كميا وكيفيا في منظومتها التعليمية. يتجلى التطور الكمي في المستويات الدنيا للأمية والنسب العالية للمتسجلين في المدارس والمعاهد والجامعات. ويتجلى التطور الكيفي في المستويات العالية التي يبديها تلاميذ المستوى الرابع والثامن في مواد أساسية كالعلوم والرياضيات حسب معايير "اتجاهات دولية في الرياضيات ودراسة العلوم "TIMSS"، وتلاميذ الخمسة عشر سنة في قدرتهم على تطبيق الرياضيات في مشاكل الحياة العملية حسب معايير "البرنامج الدولي لتقييم التلميذ "PISA".

الحجج تبدو حاسمة ولا غبار عليها، ولكن هل هي كذلك بالفعل؟

حجج مضادة كثيرة

نسبة القادرين على القراءة والكتابة في التايوان هي 54% بينما وصلت إلى 72% في الفيليپين، لكن رغم الارتفاع النسبي لمستوى الأمية في التايوان، فإن اقتصاد هذا البلد تجاوز اقتصاد الفيليبين بشكل دراماتيكي. سنة 1964 كان الدخل الفردي في الفيليبين مضاعفا لمثيله في التايوان (200 دولار مقابل 122 دولار)، أما اليوم فالدخل الفردي في التايوان يتجاوز مثيله في الفيليبين بعشر مرات (18000 دولار مقابل 1800 دولار).

في نفس السنة، كانت نسبة القادرين على الكتابة والقراءة في كوريا هو 71% (مما يجعلها قريبة من حالة الفيليبين)، أما في الأرجنتين فكانت النسبة هي 91%. آنذاك كان الدخل الفردي في الأرجنتين يتجاوز مثيله في كوريا بخمس مرات (378 دولار مقابل 82 دولار)، أما الآن فالدخل الفردي في كوريا فقد تجاوز مثيله في الأرجنتين بثلاث مرات (21000 دولار مقابل 7000 دولار).

بين 1980 و 2004 ارتفعت نسبة القادرين على القراءة والكتابة بشكل ملحوظ في دول جنوب الصحراء الإفريقية بحيث بلغت نسبة تتأرجح بين %40 و 61%. .. إلا أن هذا التحسن لم ينعكس إيجابا على مستوى الأداء الاقتصادي كما يتضح من الانخفاض المطرد لمعدل الدخل الفردي في هذه الفترة بنسبة 0،3% خلال هذه الفترة.

سنة 2004، كتب لات بريتشيت، وهو عالم اقتصاد من جامعة هار***1700;رد يعمل في البنك الدولي لفترة طويلة، كتب مقالة عنوانها "أين ذهب كل هذا التعليم؟" حلل فيها العشرات من الحالات لدولة متقدمة وأخرى متخلفة ليفهم من خلالها تأثير التعليم على النمو الاقتصادي ... خرج پريتشيل من دراسته بنتيجة منسجمة مع المعطيات التي ذكرتها أعلاه، وهي أن ليس هناك ما يكفي من الأدلة على أن التحسن في التعليم يؤدي إلى التحسن في الاقتصاد.

الثقافة الابتكارية هي الحل

هل ينبغي أن نشجع على الجهل إذن؟ .. الجواب بكل تأكيد هو: لا. التعليم ضرورة قصوى. المشكل هو: أي تعليم؟ ماذا ينبغي أن نعلم أبناءنا وكيف؟

لننطلق من مثال ملموس قد يوضح الفكرة بشكل جيد. أثبت الإحصائيات المقارنة بين مستويات تعليم الرياضيات في الدول المختلفة أن ليس هناك توافقا تاما بين مستويات التلاميذ في الرياضيات ومستوى الأداء الاقتصادي للدولة التي يعيش فيها هؤلاء التلاميذ. مثلا، أثبتت روائز TIMSS أن أداء تلاميذ المستوى الرابع في الولايات المتحدة الامريكية في مادة الرياضيات هو أدنى من مستوى تلاميذ آسيا الشرقية بل وأدنى من مستوى تلاميذ كازاخستان وليت***1700;يا وروسيا وليثوانيا أيضا.

والأدهى من ذلك أن مستوى التلاميذ في مادة الرياضيات في الدول الأوروبية الغنية (باستثناء بريطانيا والنرويج وهولندا) هو أدنى من مستوى التلاميذ في هذه المادة في الولايات المتحدة الأمريكية! وأداء تلاميذ المستوى الثامن في الرياضيات في أغنى دولة في العالم باحتساب الدخل الفردي وبادل السوق، والتي هي النرويج، هو أدنى من مستوى أداء تلاميذ دول فقيرة نسبيا مثل ليثوانيا والتشيك وسلو***1700;نيا وأرمينيا وصربيا.

سر التقدم إذن ليس هو المستويات العالية التي يحققها تلاميذنا في المواد الأساسية كالرياضيات والعلوم بل شيء آخر: إنه الابتكارية التكنولوجية. مصلح الأحذية التقليدي قد يعرف أشياء عن الجلد وأصنافه لا يعرفها مهندسو الشركات العالمية لصناعة الأحذية. مصلح الراديوهات وأجهزة التلفزة القديمة قد يعرف أكثر مما يعرف مهندسو شركة سامسون***1709;. البقالون التقليديون قد يجيدون الحساب بشكل أفضل من مراقبي صناديق السوبرماركيتات الكبرى.

السر في هذا الفرق أن الحياة المعاصرة أصبحت تعتمد أكثر فأكثر على الابتكارية التكنولوجية بحيث بدأت السوق تستغني شيئا فشيئا عن "معرفة" الفرد مهما كانت هذه المعرفة واسعة وعميقة. إننا لا نحتاج لتعليم جيد فقط، بل نحتاج لتعليم يؤهل الفرد للابتكار والتكيف المستمر مع مجتمع يبتكر باستمرار.

لن يسكب المستثمرون أموالهم في أشخاص يعرفون الكثير فقط لأنهم يعرفون الكثير. قد يفعلون ذلك تجاوزا في دول تصل فيها تنافسية الجامعات إلى أعلى مستوياتها، مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن ذلك لن يكون بسبب المضامين العلمية التي تدرس بهذه الجامعات، بل فقط لأن المستثمر يعي بأن أذكى الشباب هم الذين يلتحقون بالجامعات. أما في جامعات المغرب حيث لا تزال الجامعة ينظر إليها كصمام أمام يقي المجتمع من "خطورة" مراكمة أفواج المعطلين ويحتفظ بهم "تحت السيطرة" لبعض السنوات، فإن المستثمر لن يغامر أبدا باستثمار أمواله في خريجي الجامعات. هناك علاقة قوية بين القدرات الإبتكارية المنتجة للخريجين وثقة المستثمرين. كلما علت هذه القدرات، كلما ازدادت ثقة المستثمرين في مردودية استثمار أموالهم في هؤلاء الخريجين.

ما يفسر الفرق بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة إذن ليس هو: ماذا يعرف المواطنون وكم يعرفون، بل ما الذي تساهم به المنظومة التربوية لإنتاج پروفيلات مبتكرة قادرة على التكيف مع التكنولوجيا المبتكرة والتي لا تزيد إلا ابتكارا. ألا يفسر هذا عدم توافق عدد خريجي الجامعات ومعاهد التعليم العالي في مغرب اليوم (الذي يصل إلى 117000 سنويا) مع عدد الوظائف العليا التي يخلقها الاقتصاد المغربي (والتي لا تتجاوز 73000 في أحسن الأحوال)؟ ألا ينسجم هذا أيضا مع الاختلال الصارخ الذي كشف عنه التقرير الأخير للمجلس الأعلى للتعليم العالي، الاختلال بين ما تصرفه الدولة على قطاع التعليم (الذي يصل إلى أكثر من 6% من الناتج الداخلي العام) ومستويات تلاميذنا في المواد الأساسية كالرياضيات والعلوم؟

مشكلتنا أننا مجتمع لا يفهم مشكلته بشكل جيد. لم نفهم بشكل جيد أن "جودة" التعليم ليست هي فقط: محاربة الهدر المدرسي ومحاربة الاكتظاظ وتعليم اللغات الأجنبية وتعليم مهن نافعة وتحسين أداء التلاميذ في الرياضيات والعلوم والزيادة في عدد المدارس ... هذا فهم خطير لإصلاح التعليم سيجعل تعليمنا متخلفا لعشرات السنوات الإضافية، كما سيجعل منظومة التربوية عاجزة عن التأثير الإيجابي في النمو الاقتصادي حتى بعد أن نحاول إصلاحها.


"التعليم سر تقدم المجتمع" مغالطة خطيرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق